المسكوت عنه في قصيدة :ـــ الأمّ / عروس ــــ لفاطمة سعدالله / جدلية " الأم "و"الأنثى"
ــــ الأمّ / عروس ــــ
أمّي
بل أيّتها العروسُ ..
هل الفرحُ قاتل...؟ ..تبتسمُ مربّبتةًً على وجنة ٍدامعةٍ ..
- لا يا بنيّ ...العُرْسُ مجرد رحلة من هنا ..إلى هناك..
- لماذا اذن يا أمّي ..بل أيّتها العروس... يشتعل الوجع بداخلي ..يحرقني ..
يأكُلُني..يقتُلني ..؟؟؟
تنفُرُ الدمعةُ المخنوقةُ ..يركض الطفلُ بعيدا..
وبقلبٍ من حديد ..تخلعُ العروسُ ثوب الفرحِ ..
لترتديَ الأمومةَ من جديد ....
فاطمة سعدالله ــــ تونس ــــ
- منذ أن عرفت هذه الأنثى وأنا أتساءل عن سر بريقها ..؟؟؟ فلقد خشيت أن يكون ودي لها سببا في انحرافي عن لغة العلم اتجاهها وهي أبعد الناس عن قبول المجاملة بل ربما رددت لها نصا فقهقهة قهقهة من يعرف أن منحنى الأبداع مثل الأيمان يزيد وينقص ... فقلت في خلدي : الق هذه التونسية هل هومن اعتنائها بالحرف ؟ هل هومن "مكرها" في تركها للدلالات مفتوحة بحيث يتوه كل من دخل دهاليز نصها ؟ هل هومن ذلك الرصف الجميل للعلامات الذي تبرره لها سيمياء النص ؟ ... أخير أقنعت نفسي أن مجموع هذا هو السبب في بريقها ... وبقي في النفس شيء لم أجد له تفسيرا ....
- أما اليوم فقد وجدت علة تميز هذه السيدة المبدعة وهو ما سأبين عنه بعد قليل :
- النص الذي بين أيدينا قصة قصيرة جدا عادية أحداثها . بحيث يمكن أن تكون أي عائلة مسرحا لها ... طفل تنتوي أمه ابتداء حياتها من جديد بعد حدث حدث بينها وبين زوجها أو فقيدها ... والظاهر أن هذا الطفل يعارض تصرف أمه كما يفعل جل الأطفال الذين يخشون أن تخطف أمهاتهم .... بدافع الغيرة الطفولية والحتجة الماسة الى حضن الأم ...
- الى هنا الأمر عادي ..... يلح هنا سؤال و أسئلة : كيف عبرت الأديبة عن هذا ؟ هل تقصد الأدييبة فعلا حرفية القصة ؟ ماحظ الفلسفة في هذا التشكيل ؟ ما تأويل الرمز في هذا التشكيل ؟؟؟....
- يبدأ النص بنداء مر يتسم بالعبثية اليائسة من طفل نحو أمه التي يعتقد أنها ستغير جلدها على الأقل تجاهه :
أمي ...
- ثم يستدرك هذا الطفل أنه لابد أن "يعبث " فالحياة عنده عبث ... وكيف لا تكون عبثا حين تتخلى نصف المجتمع عن مبادئها وتتصابى كما تتصابى الغيد :
بل أيّتها العروسُ
- هي سخرية مرة من شفاه البراءة حين تحس أن الخطر يداهم عشها الصغير لا محالة .... ويأتي السؤال الذي تختزنه البراءة ... ستقول البراءة كلمتها ... لا شيء يستحق ان تخاف فقدانه وقد خسرت أهم قلاعها :" الأم ":
هل الفرحُ قاتل...؟
- نعم ... يمكن أن يكون الفرح قاتلا ... فهناك عرس وهناك عروس لكن كبد البراءة تذوب كمدا ... البراءة تحس الخطر على كينونتها ....
- ..... وصلت رسالةالبراءة الى العروس التعيسة . .. تحاول أن تداري حزنها .. وأن تدس حزن البراءة في بيدر ابتسامتها ... تريد أن تجد حلا يرضي البراءة ... ويرضي " الأنوثة" الضائعة .... تحاول أن تجد ذاتها وهي تري السنين تخرج من بين أصابعها ... والزمن جبار ...:
..تبتسمُ مربّبتةً... على وجنة ٍدامعةٍ
لا يا بنيّ ...العُرْسُ مجرد رحلة من هنا ..إلى هناك...
- من هنا الى هناك ... من وحدة قاتلة وسنين تمضي من العمر الى هناك حيث أحاول أن أجد ذاتي قبل أن أفقدها الى الأبد وأموت " موتتين "..
لماذا اذن يا أمّي ..بل أيّتها العروس... يشتعل الوجع بداخلي ..يحرقني ..
يأكُلُني..يقتُلني ..؟؟؟...
- البراءة لا تقتنع .. لابد أن تدافع عن عرشها الى آخر رمق ... تعيد هذه البراءة أسئلتها الملونة بلون الدم والنار وتستعين "بالمنطق " منطق الأنسانية .. منطق الطبيعة الأولى ... منطق الفطرة الشفافة : البراءة تتوجع .. ويقتلها الحزن والخطر ...لا تنسى البراءة أن تنادي هذه الأنثى " الأم " بالعروس كأن لسان حالها يقول : ثوب العروس لا يليق بك ... لا يليق بالأمومة .. لايليق بالأمومة التي تحوط البراءة .... تبا للأمومة إذاكانت لا تحترق في نار الحرمان من أجل البراءة ....
- ما أقسى دمع الطفولة ..
- ما أقسى دمع الطفولة .. إنه أبلغ كلام في الوجود ... يسقط هذا الدمع الطفولي صاعقة على الأم .... فتفهم الرسالة :
وبقلبٍ من حديد ..تخلعُ العروسُ ثوب الفرحِ ..
لترتديَ الأمومةَ من جديد
- أيتها الأم .. مكانك هنا لا هناك اخلعي ثوب" النزوة " والبسي ثوب الأمومة .. احرقي داعي النزوة في نار العفاف في نار التضحية واجتري وجع الفقد لتجدي أمل البراءة تحت قدمك ...
- حاولت منذ قليل أن أقبض على أحد معاني هذا النص الماتع رغبة في أن اسهل الدخول اليه لكن بقيت بعض الأسئلة القلقة لم أجب عنها فأقول :
- النص كما قلت قصة قصيرة جدا مكثفة لحد التطرف هي حوار بين ذاتين : بين براءة تريد تملك " الأم " التي لازالت بحاجة الى دفئها . .. براءة تحس بالخطر الداهم فتعلن عن قلقها الوجودي .... وبين " أم " هي أولا وأخيرا " أنثى " تريد ممارسة الأنوثة التي حرمتها الأقدار من ممارستها ... أنثى تبحث عن ذاتها في أتون الوجود ..
- أذن فهذا النص بحث "سوسيولوجي " تطرح فيه الأديبة إشكالات فلسفية عميقة هي : هل يحق للأمومة أن تمارس الأنوثة ..؟؟ هل الأمومة شيء غير الأنوثة ؟؟؟ هل تظلم الطفولة حين تمارس الأمومة أنوثتها ؟؟ وغيرذلك من الأسئلة القلقة ...
- ما يسقط القلم من يدي ويجعلني أجل هذه التونسية الجميلة هو حسن المخرج من نصها هذا : إذ رسمت لنا مشهدا " سينيمائيا" بامتياز حين انتصرت الأمومة على الانوثة في مشهد حزين .... تحزن فيه الامومة على الضياع وتضحي " بثوب الفرح " وهنا رسالة من الأديبة رسالة ماكرة شفيفة لا يفهمها الا الحذاق . .. تريد فاطمة "الأنسانة " أن تعلن للعلم نضجها الأنساني وأنها وصلت ألى مرحلة العرفان والحكمة حين اختارت لعروسها الأعتكاف في محراب الأمومةوالأطياف على الجري وراء نزوات الكثائف وهذا نفس صوفي بامتياز نجحت الأديبة في ايصاله بذكاء بارع الى محبيها .
- لغة النص تعتمد على معجم ذكي مناسب للموقف وللحظة الشعورية فهنا الأديبة تختار بعناية فائقة مفرداتها - والحق أنها شعلة ذكاء في هذا- انظر الى معجمها : قاتل - الدمع يقتلني - يأكلني - الوجع ... وهذا كثير بالنسبة لحجم النص والأروع في معجم النص ان الأديبة لم تهدف الى أشاعة لون السواد على النص فحسب إنما هدفت الى خلق مساحات شاسعة من " الدلالات المسكوت عنها " وهنا محور جمال هذا النص وتأشيرتها الى الإلتحاق بعالم الكبار.
- لا يمكن أن أخرج من هذا النص دون أن أقرر شيئا هاما هو أن النص تشكيل مفتوح بتطرف على دلالات متعددة فهذا النص وشاح يمكن ان نأوله ونجري فيه إسقاطا على ما تعيشه تونس الخضراء التي اختارت أبناءها بعد أن تجاذبتها عدة أطياف ايديولوجية وأغراها –بنزوات الأنثى من من يجيد اللعب على وتر العشق والسياسة .
- اذن فليس شيء في هذا النص بريء يروي غليل القراء انما هي علامات سابحة اعتباطية الوجود والمنزع بعد أن حطمت الأديبة تلك الرايطة المنطقية بين الدال والمدلول وفق المنهج التفكيكي .
- أخير أقرر أن النص جدير بالقراءة والبحث فلا زال فيه من المسكوت عنه الكثير.
- شكرا لهاته الأم المبدعة .
ـــــ شاهين دواجي / الجزائرــــــ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق