- هديتي للمرأة التونسية في عيدها .
- إشكاليّة التنوير في رواية دعاء الكروان للدكتور طه حسين / قراءة تأويليّة للحدث القصصي ...
- الحقيقة أنّ الوازع لكتابة هذا المقال طلب من أختنا د:( سلمى حسيني ) لأنّها رأته تراه هديّة متواضعة للمرأة التونسية في عيدها فلم يسعني أن أردّ طلب زميلة بحجم د: سلمى . وفعلا فرواية " دعاء الكروان " للدكتورطه حسين – إضافة الى كونها من بواكير الرّوايات العربية الناضجة – هي نص مفعم بالجماليات على كل المستويات كمازادها تحولها الى سيناريو فلم سنيمائي ألقا منقطع النّظير حيث قدّمها المخرج " هنري بركات " مع ثلّة من عمالقة الفن السابع ك: أحمد مظهر – آمنة رزق – فاتن حمامة – زهرة العلا وآخرين .
- تروي القصة مأساة المرأة الشرقية تحت وطأة الذكورة حيث المرأة مجرد متاع مهمّته خدمة الرجل وارضاء الغريزة .
- تبدأ القصة من ترحيل الخال لآمنة وأختها وأمها من الكفر لأنّه سئم أن يعاير بأفعال نسيبه ( والد أمنة ) الذي اِشتهر بالزّنا وفي الرحلة نحو المجهول يلتقون "خضرة " التي تساعد آمنة وأختها " هنادي " في الحصول على عمل كخادمات عند الميسورين في "البندر " ، يحدث أن تشتغل " آمنة " في بيت المأمور حيث تعامل معاملة إنسانيّة سيّما وأنها وجدت صديقة في مثل سنها هي ابنة المأمور أمّا المسكينة "هنادي" فتخدم في بيت مهندس شاب أوقعها في المحظور باسم الحبّ .
- تريد الأمّ الثكلى إخفاء الخبر ولكن الخبر وصل الى خال " هنادي " الذي يقتلها بحجة غسل العار عن المروءة المزعومة .
- بعد قتل هنادي تقرر " آمنة " البحث عن المهندس الذي تسبّب في مقتل أختها لتنتقم منه وتشفي غليلها وحنقها الذي أحسّته حين قتلت هنادي في ذلك الفضاء العريض .. . وفعلا تتحايل آمنة وتترك بيت المأمور لتخدم في بيت المهندس الذي كانت تمقته وتتلذّذ بتعذيبه لكنّ المفارقة أنها تقع في حبّه وتنتهي القصّة بمقتل المهندس على يد خال آمنة وهنادي الذي ينتهي أمره بين أيدي الشرطة . هذه أبرز أحداث القصة ، مايهمّني هنا هو دلالة الحدث ورمزيته فيها من حيث إن القصة زخم فكري يقترب من التحليل السوسولوجي للذهنية الشرقية على مرّ التراكمات .
أقول : الدكتور طه حسين في هذه القصة يعطينا صورة واقعية لتمظهرات المرأة في المجتمع الشرقي الذكوري حيث يشكل كل حدث من أحذاث القصة بؤرة للتأويل بمعنى نستطيع بواسطة آلية الإسقاط أن نجد صورة لكلّ حدث من أحداث هذه السردية فيما حولنا من الصور الواقعية وهذا الذي سأشير اليه بعد قليل في الجانب التطبيقي .
- الجانب التطبيقي :
- الحدث الاول : ترحيل الخال لآمنة وأمّهاوأختها بسبب جرم الوالد : يشر د:طه حسين هنا إلى أن المرأة في التصور الشرقي تؤحذ بذنب غيرها بل هي المذنبة دوما لأنها تمثّل الحساسيّة التي تخدش المروءة ، فما ذنب امرأة فسدت أخلاق أبيها أو زوجها ؟؟ الكاتب هنا يربط بين هذه الفكرة و التّصوّر الجاهلي للمرأة الذي عملت نصوص الوحي على التنفير منه .
- الحدث الثاني : البحث عن عمل كخادمات واغتصاب "هنادي ": يصور الكاتب هنا مدى الأمتهان الذي يحيق بالمرأة الشرقية حين يصبح كلّ طموحها أن تصبح خادمة بيوت من في حين تلامس أختها في المجتمع الغربي سطح القمر بقدميها .. الدكتور طه حسين في هذا المقطع يشير الى مسألة التنوير التي تمنع المرأة أن تمتهن كرامتها . هذا التنوير الذي لو امتلكته "هنادي " لعرفت كيف تنجو من فكّ مغتصبها المهندس حين أغراها بالحبّ
- الحدث الثالث: مقتل "هنادي " : يشكّل مقتل هنادي النقطة الحاسمة التي تتفرع منها جلّ أحداث هذا السرد كما يعطينا هذا المقطع من القصة صورة دقيقة لمعاملة المرأة حين تخطئ في المجتمع الشرقي فـ :"هنادي" من وجهة نظر الكاتب لا تستحق القتل لأنّها ضحية مجتمع وعائلة ونظام سياسيّ بليد يحرم المرأة من التنوير ثمّ يحمّلها مسؤولية الخطأ ... خطأ "هنادي " تحصيل حاصل يقع حتمًا اليوم أو غدًا.
- الحدث الرابع : السعي للأنتقام والوقوع في شراك الحب : في خضمّ سعيها للإنتقام من المهندس الذي تسبّب في قتل "هنادي " تنجح آمنة في أن يركع لها المهندس و يتوسّل عفوها ، بالمقابل تنتقل هي من النقيض الى النقيض حين تغرم بمن كان السّبب في قتل أختها بتلك الطريقة البشعة ؟ يشير الكاتب هنا الى قيمة التسامح من خلال فعل آمنة وهذا في الحقيقة موجّه - من طرف خفيّ – الى الخال الذي رغب عن غفران ذنب صبيّة أخطأت فعالج الخطأ بجرم اِنتصارًا لمروءة مغلوطة .
- الحدث الرابع : عليّ أن أنوّه هنا الى أنّ "آمنة " حين خدمت في بيت المأمور استنارت بصيرتها بعض الشي فلقد رأت نمطا جديدا من الإناث نمط متحرر متعلّم يفعل مايشتهيه بعادات وأنماط عيش مختلفة كما رأت خديجة ابنة المأمور وهي تقرأ الكتب وتعزف على البيانو .... باختصار نمط مختلف عن أناث الكفر اللواتي يلبسن الملس كأنّهن حديثات عهد بحداد ويجلبن الماء في الجرار ،,,,, يتقدم المهندس لخطبة ابنة المأمور ولكن آمنة تتحرّك لن تسمح بأن تتكرّر مأساة أختها ثانية لهذا تترك رسالة تخبر فيها أهل بيت المأمور عن جرم المهندس وتغادر البيت ... وفعلا يرفض طلب المهندس الإقتران بابنة المأمور وتنجو ابنة المأمور من فكّ المهندس المغتصب .
- في هذا المقطع يشير الكاتب الى أهمّية التنوير في حياة المرأة عموما فـ " آمنة " لم ترى من التنوير إلّا همهمات خديجة وهي تقرأ الكتب ولم ترى من التّنوير أيضا إلّا عزف خديجة على البيانو مع هذا كبحت جماح جرم المهندس وأنقذت ابنة المأمور من المهندس المنحرف ؟؟ ماظنّنا لو أنّ " آمنة " كانت خرِّيجة معهد أو جامعة باختصار أعطني أنثى متعلّمة أعطيك مجتمعًا خاليًا من الأغتصاب .
- كان ماقلته مايسره الله لي في تأويل أبرز أحداث هذه الرواية الماتعة التي وإن كتبت منذ ثمانين عامًا إلّا أنّنا لازلنا نحتاج ان نقرأ الرّسالة المشفرة التي تضمّنتها والداعية الى تنوير المرأة لتكون هناك نهضة حقيقية لانّ بعضنا – للأسف - لازال ينظر الى المرأة تلك النظرة الدّونية التي تجعلها في منزلة الأثاث في أحسن الأحوال .
شاهين دواجي / الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق