الأربعاء، 10 أغسطس 2016

( الحب الصامت / جمالية الحضور في قصة المعلم الأول ل جنكيز إيتماتوف ) للناقد الأديب (( شاهين دواجي ))






*الحبّ الصّامت /جمالية الحضور في قصة المعلم الأول لـ :جنكيز إيتماتوف
شاهين دواجي/
- ظهر مصطلح الغياب والحضور في إثر المدّ الألسني الذي اجتاح العالم فقلب موازين النقد والذوق الجمالي خصوصا بعد أن استوى التأويل وفرض نفسه على القراءة حتى عاد شيئا شبيها بالإعتقاد كما قرر ذلك الدكتور احسان عباس
- قلت : لم يجد المبدع مناصا أن يكتب وفق هذه الثّنائية ( الغياب والحضور ) أما أهل النقد فتطرفوا فيه بعد أن سكروا بنشوة التأويل فزعم بعضهم أنّه ما من مبدع إلّا وكتب وفق هذه الثّنائيّة علم أو لم يعلم ؟ لهذا وجدنا دراسات تتأول مثلا أعمالا في غابر الأزمان .
- لست بصدد مناقشة هذه الأطروحة وتبيان جينيالوجيتها بقدر ما أنا مهتمّ بلفت النظر إلى أنّ عدم معرفة هذه الثنائية في لحظة القنص يجعل من النص باهتًا شيئًا ما .
- في ظل ثنائيّة الغياب والحضور تتعدد القراءات للنص الواحد فيطول عمره فإذا تطرّف المبدع فنقل هذه الثّنائية من الأنساق الكبرى الى الخبرات اللفظيّة اكتسب النص صفة الخلود وهذا السر في إعجاز النص المقدّس كما بيّنه الشيخ عبد القاهر والزمخشري .
- غير أنّ توظيف الكتّاب لهذه الثنائيّة يختلف وفق المهارة والخلفية العلمية ومدى ارتفاع السقف الثّقافي فمنهم من يركز على الغياب فيكون الحضور عنده" ناقة "تبلغه الطريق كما هو الحال عند العبقري طيب صالح في "موسم الهجرة نحو الشّمال " لا يمكن أن نغالط أنفسنا فنقول أن جمالية هذا النص نابعة من النص الحاضر في كل مستوياته العكس تمامًا هو الصحيح فقد وصل الأمر به الى استعمال اللغة المبتذلة التي لا وجود فيها للملفت من الجماليات اللغوية وهذا يعذر فيه لأن القصة تطرق في حضورها طابوهات تستلزم تلك اللغة .
- قلت كان همّ الطيب صالح في هذا النص هو "الغياب " أي معالجة مشكلة تفاعل الحضارات وومكانة الذات الشرقية في هذا الزخم الحضاري في شخص "مصطفى سعيد " البطل الذي أضاع ذاته الشرقية حين سافر الى الضفة الأخرى .
- فلم يكن الجنس – بصورته المبالغ فيها – في النص إلا مطيّة لبلوغ الغياب الذي تكلمت عنه منذ قليل أو كان طعما لعشاق الطّابوهات والتأويل .
- ولن أتكلّم عن الكاتب الذي يهتم بالحضور فقط لأن نوعية هذه النصوص تكاد الآن تصنف ضمن الترف الفكري الذي لا يرقى لمستوى ما نسميه أدبا .
- ومن الكتّاب من يعطي كلّا من الحضور والغياب حقّه فيصبح النص متعة حقيقيّة من الوجهين لأنه بذلك يضاعف عدد القراءات التي ترتكز في غالبها على الغياب فقط وهذا وجدته في قصة "المعلّم الأوّل " للعبقري جنكيز إيتماتوف صاحب " جميلة " و"وداعًا غولساراي ".
- القصة من الأدب المادي الذي صاحب زهو الشيوعية في الخمسينات تروي قصة فتاة سوفياتية بسيطة من الريف ( إيلتيناي سليمانوفا )نجحت أن تصبح ذات دكتوراه في الفلسفة لأن جنديا بسيطا عاد الى القرية يحمل في قلبه حبّ المعرفة " ديوشين " دلّها على سبيل العلم ووضعها على الطّريق .
- طبعا القصة في جزئية الغياب تمجّد الشيوعيّة "اللينينية" بوصفها المنقذة لهذا العلم من الرأسمالية المتوحّشة لذا لا ينسى إيتماتوف أن يعطينا صورة عن الأقتصاد الإشتراكي من خلال الكمونات التي تسودالقرية ، ويجعل من ديوشين البسيط باني أوّل مدرسة للأولاد في إشارة الى اهتمام الشيوعية بالعلم ، ثم يغوص الكاتب عميقا في التفاصيل حين تزوج " أيلتيناي " ذات الرابعة عشر من العجوز فلا تجد غير الشيوعية- ممثّلة في "ديوشين " - لكي تنقذ طفولتها . ومظاهر تمجيد الشيوعيّة كثيرة في هذا النص اقتصرت على ذكر أهمّها فليست موضوع حديثي إلّا من حيث انها "الغياب" في هذه القصة الجميلة .
- لنعد الى الحضور في القصة .
قلت جنكيز إيتماتوف لم يكن من الكتّاب الذين يجعلون الحضور في القصّة هامشا ومطيّة الى الغياب بل يجعله ركنا ركينًا يمتّع القرّاء لأن هذه القصة في حضورها قصيدة حب بمعنى الكلمة وما يزيد المتعة أن العاشقان ( إلتناي / ديوشين ) هنا لم يتصارحا بالحب مرة واحدة فظلّ حبّهما صامتًا نقيّصا لأن العاشق ( ديوشين ) ضحّى بحبّه الوحيد لكي لا يعيق مستقبل حبيبته .
القصة في كلّيتها تعتمد تقنية "الأسترجاع " حيث تدعى "الدكتورة الفيلسوفة إلتناي " كضيف شرف إلى افتتاح مدرسة وفجأة تغادر الإحتفال بمجرد سماعها إسم ( ديوشين ) الذي أصبح عجوزا كحصانه الذي يمتطيه ليوصل الرسائل ، بعد مدّة ترسل "إلتناي " رسالة الى الرّاوي تخبره فيها عن سبب مغادرتها الأحتفال ... : تقول التيناي في رسالتها إلى الكاتب: بالطبع استغربت رحيلي المفاجئ، كنت خجلة من نفسي، فقد أدركت أنى لا أستطيع اللقاء بديوشين، وشعرت بالذنب أيضا لاني لم اكن الشخص الذي يجب ان يحاط بكل حفاوة ممكنة، ويجلس في مكان الشرف أثناء افتتاح المدرسة الجديدة، هذا الحق يملكه معلمنا الأول دون أي شخص آخر، يملكه أول شيوعي في قريتنا، والذي حدث عكس هذا،جلسنا نحن حول موائد الوليمة، فيما ذلك الرجل الطيب يسرع لتوزيع البريد»
«و لا أحد يستحق ان تسمى المدرسة باسمه سوى ديوشين»
... ثمّ تحكي إلتناي قصة حبها الصامت للراوي .
- كانت فتاةً في الرابعة عشر حين قدم ديوشين الى قريتها وخطب في الناس من أجل بناء المدرسة للأولاد فلقي منهم مالقي من السخرية والعنت ، وبعد أن يئس قرّر أن يبني المدرسة بنفسه وبإمكاناته البسيطة (غالبا ما كنا نراه ـ تروي ألتيناي ـ يحمل حزمة كبيرة من العشب الجاف أو القش على ظهره.)
- ويحدث أول وميض حبّ بين إلتناي وديوشين حين حين يعرض ديوشين على البنات العائدات بشوال الروث أن يتعلمن تقول إلتناي :(أنا متأكدة أن مصيري الحقيقي و كل حياتي بأفراحها وأتراحها قد بدأت في ذلك اليوم بالذات، من شوال الزبل الجاف ذاته) بدأ الحب والمستقبل الجميل من شوال الزبل الذي أفرغته التناي في الالمدرسة الكوخ وعادت لتجمع آخر وتتحمّل إهانة زوجة عمّها .
يكمل المعلم ديوشين بناء المدرسة تخدم الصدفة التناي وتدخل الى عالم المعرفة بعد أن وافق عمها الفظّ نكاية في زوجته ... يصور لنا الكاتب مشاعر إنسانيّة راقية حين يحب الأستاذ تلاميذه فيحملهم ليعبر بهم جدول الماء في البرد القارس ، وحين يشجع التناي بنغمة الحب : "ستكونين شيئًا ما ذات يوم ".
- يموت لينين ويذهب ديوشين لمراسم الدفن وتنتهك براءة التناي وبعد عودته يخلّصها من الزوج المغتصب ويأويها في بيته ثم يوجّهها لتتعلّم في المدينة لأنّ مستواه متواضع : «لو كان الآمر بيدي يا التيناي لما سمحت لك بالابتعاد عني خطوة واحدة، ولكن ليس لي الحق في تعويقك، ينبغي ان تتعلمي وأنا لست على قدر كبير من المعرفة . . . لعلك ستصبحين معلمة حقيقية، واذذاك ستتذكرين مدرستنا و ربما ستضحكين لها.».
- «لو كان الآمر بيدي يا التيناي لما سمحت لك بالابتعاد عني خطوة واحدة" ما أعظم هذا الحبّ........
حين حين يسير القطار مسافة قصيرة تردّد التناي : "وداعًا قريتي ... وداعا طفولتي .... وداعا ديوشين حبي الأول الذي لم أبح به لأحد " وظل هذا الحبّ صامتا الى الآن ، بعد أن اشتدّ عود هذه الفتاة أرسلت رسالة الى ديوشين باحت له فيها بحبّها ولكنّه لم يجب وآثر أن تتعلّن التناي على أن يرضي قلبه ؟
- تزوجت التناي وحصلت على الدكتوراه ولم يبق من حبّها لمعلّمها الاول الا شجرتي الحور التين غرساهما ذات يوم على رابية سيمّونها الآن :" مدرسة ديوشين ".
- قد اكون لخصت هذه القصة الجميلة ولكنني أعلم تقصيري يقينا في نقل الشحنات العاطفية لهذا النص فهذا النص قصيدة جميلة مليءة بعواطف الحب والأنسانية النقية التي يستحيل الألمام بها دونما قراءة واعية ولا عجب فصاحب القصة كما قلت هو صاحب أجمل قصة في العالم" جميلة " .
- ما اردت أن أقوله أن المبدع إذا بلغ ذروة النضج أمتع القارئ غيابا وحضورا وهذا نادر بين كتابنا اليوم .
- شاهين .






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق